كان ينتظر على الطرف الآخر من الهاتف موظف الخطوط السعودية الذي كان مشغولا ـ كما يقول التسجيل الآلي ـ ولأن يده أرهقها الانتظار، وضع السماعة وراح ينتظر صوت الموظف، لكن لا شيء يأتي سوى تلك الجملة الآلية «عزيزي العميل لوجود عملاء جار خدمتهم نرجو الانتظار لخدمتك»، عند كلمة الانتظار، تذكر رسالة صديقه التي كتبها قبل أن يموت انتظارا.
كتب صديقه يقول: مازلت أنتظر، الانتظار صعب ومضن ومرهق، والأصعب منه الكذب.
كنت في الثانوية، أيامها ورثت عادة النشاط والكفاح والإصرار.
رأيتها.. كانت خلاسية اللون، وللدقة نحاسية، وللأمانة التاريخية برونزية البشرة.
أحببتها بشكل سريع، وربما هي لم تشعر بذلك، واليقين أنها لم تعرني أي انتباه، كتبت لها خطابا ملتهبا، فردت على صديقي «محمد».
كانت لغتي أفضل وخطي بالتأكيد أجمل، لأني أعرف خط «محمد»، ربما شكلي لم يكن مقنعا لها كحبيب، ومن يومها تعلمت الكتابة لنفسي، خاصة حين أكون محبطا.
أتعاطف كثيرا مع «الكولونيل» للكاتب ماركيز، لأنه مثلي ينتظر ما لا يأتي.
ذلك «الكولونيل الماركيزي» وأنا ننتظر رسالة منذ البداية، وربما حتى النهاية، لكن لا أحد يراسل «الكولونيل».
على فكرة.. الفتاة البرونزية البشرة، لم تتزوج صديقي «محمد»، وتزوجت صديقا آخر لنا، يعمل الآن موظفا في البريد، لهذا لا تصلني الرسائل.
أخيرا يا صديقي.. يمكن لعشاق الانتظار، أن يهجوا ساعي البريد، يمكنهم الموت انتظارا.
قطع خيالاته صوت التسجيل الآلي: «عزيزي العميل إن جميع الموظفين في خدمة عملاء آخرين نرجو الانتظار لخدمتك».
تذكر ما فعله في 1985م، إذ كان يتسكع في ولاية «بنسلفينيا»، وقف أمام هاتف عمومي، لقم الهاتف ربع دولار، واتصل على صديقه في مدينة أخرى، فجاء صوت التسجيل «لا يمكنني الرد، فضلا اترك رقمك وسأهاتفك في ما بعد»، أغلق السماعة، وكان قد بقي في العداد بضع سنتات.
بخبث، هاتف السنترال، وأخبرها أن هناك بعض السنتات في الهاتف ولا يستطيع الحصول عليها.
أكدت له الموظفة أن نظام الهاتف العمومي هكذا، وأن باستطاعة الشركة ضم هذه السنتات على أي فاتورة هاتف يريده.
أخبرها أنه لا يملك هاتفا، سألته عن عنوان بريده، وأنه يمكن للشركة إرسال شيك بالقيمة المتبقية، أعطاها العنوان وهو على يقين أنها تريد إنهاء المكالمة بأي طريقة.
بعد أيام اكتشف أنها لم تكن تريد إنهاء المكالمة، فقد وصله على بريده ظرف فيه شيك بثمانية سنتات.
ابتسم على خبثه وصبر الموظفة، فيما هيئ له أن التسجيل الآلي للخطوط السعودية يقول له: «عزيزي العميل مضى ساعة على انتظارك شكلك فاضي».
---------------------
صحيفة عكاظ / ( الأحد 07/06/1430هـ ) 31/ مايو/2009 العدد : 2905